خلف الشمس والضماد: مُذكِّرة
إن عيناي ترى الشمس بطريقة مختلفة في الآونة الأخيرة، كنت أراها الحقيقة والصورة الأولى ولون الحياة فإذا ما رأيتُ أبيضَ الوردِ تشعُّ عليه الشمس كان أبيضًا لا محاله وإذا ما لمعت كؤوسُ الماءِ وانتشرت الأشعةُ منها قوس قزح شكرت الله ثم شمسي على هديتها، كان الصباح نقطة بدايةْ، والشمسُ علم الإنطلاق، ولكن الموازين اختلفت والأفكار في كياني الضئيل؛ فصارت الكينونة التي عَرّفتُها بالحقيقة مصباح مكتبٍ مُهِمّته توجيهُ التركيز، النهار أصبح حالةً مؤقتةً في أبديّة الليل إذا ما أحلولك وابتلع، وحين تمعنت في حقيقة الظلام كان أمامي لون الكون.
قبل سطوع النجم ذا المليارات من العمر جاءت الظلمة، لكن هل من يأتي أولًا له الحق في التملّك؟ تساءلت؛ فعُدتُ للألوان وصار أبيض الورد أصفرًا وقوس قزح ماهو إلا هروب ألوان الطيف من الأشعة وانتشاره، ضَرَبت الصُفرة على كل شيء في النهار ثم كست الزرقة على الزهر والبيوت والأزقة ليلاً فمحت معها تفاصيل عرّاها النهار، ما أحلا الدنيا ليلًا
آرقتني إمكانية إختلاف الألوان في بصري عن بصر باقي البشرية فيُحتمَل أن أخضر شجري أحمرٌ في عينيّ القارئ الذي يطلق إسم "أحمر" على لون مغاير، بهذا وُلِدَ إختلاف الأذواق لكنه لا يفسر حنقي على الحقيقة، أود دهن العالم بأخضري، أخضر الورق والشجر والطبيعة عله يحتمل صفرة الشمس ويُبقي على ينوعه
هذه فكرةْ، مثلها مثل سائر الافكار التي تخالج المرء في ساعات إنتظاره موعدًا، أو حين يسرح في فراشه، لم أتخيل في طفولتي أن يروق لي الإنتظار، عجولةٌ كنتُ ابغض الترقب ابغض السكون ويا للسخرية كبرت لأنزوي في ساعات الفراغ-- أظن ان هذا يُحقَقُ حين يشكّل المرء ذهنه لمكان يروق له البقاء فيه، فِعلٌ كتصميم غرفة جلوس أو حديقة خارجية، يشذّب شجيرات الأفكار، يصبغ جدران الضمير ويعلّق بعناية لوحات المبادئ.
لكنّي بعض الأحيان تجتاحني العاصفةٌ فأهرب مني كما الآن، لا أعود أريدني ولا أشتهي العيش معي وفيَّ ، أتمنى هجراني ولكن الى أين؟ أتخبّط أذبل، وأبكي أحيانًا عليّ بسببي، لضعفي لهشاشتي لوجدي وتواجدي، أريد أن أُنتَزعَ عنّي أن أخلعني ككنزة صوف في قدوم الربيع، ربيعٍ ينسيني ماهيّتي ويُحلِّقُ بي.
وأعود، إجبارًا لا رغبةً الى عقلي إليّ، فأُربّت وأضمِّد وأواسي مواساة المضطر على مُرِّ الدواء جروحي، بـ "لا بأس عليك ولا يهم" والحقيقة أني من كثر الضمادات ضاعت حقيقتي، لو كانت جروحي مفتوحة متقيحةً في عراءٍ لكانت حقيقتي ولكني دُفنت تحت ضمادات المواساة حتى نسيت أسباب جروحي وأحزاني ونفسي
لا منطقًا يرجى لمن يبحث عن لُب الأمر في مكتوبي، إن لي روحًا هشةً تشقى، تُضمِّد جروحها التي لا تلتئم مهما مرَّ عليها من وقتٍ ملتفّةٌ بالضماد، فتتظاهر بشفاءها لوجود مايدل على الشفاء، وليس لها أن تزيل الضمادات وإلا دُهِست تحت وطأة ريح الحياة وما تجلب معها من آفاتٍ تُعَّل الروح ولا تُعلِّلها.

