الشطرنج في مواجهة الموت: لوحات وأساطير
لكَم هي مغرية امكانية مواجهة الموت وجها لوجه ببسالة، إما لأن القلب ما عاد يخشاه وإما لقدوم لحظةٍ طال انتظارها، ولكن في حالاتٍ أخرى وفي الساعة التي يأتي فيها تحديدًا فكل ما يريده المرء هو فرصة العيش .. لينتهز ما لم يُنتهَز، لليقين، للبحث عن السبب، عن الحل، وللوداع.
الشطرنج، الرقعة التي تتداعى عليها القلاع وتُقلَع منها البيادق، تصهل الاحصنة مجابِهةً الفيلة والوزراء، اللعبة التي أبتُدعت منذ آلاف السنين ولم تَمُت قط؛ بل ازدهرت بازدهار الحضارات وتكيّفت مع متطلبات شعوبها؛ صارت من ذهبٍ مصبوبٍ هدايا للسلاطين، و قماشةٍ تُطوى وتفرش في الخيام وتطبيقًا في الأجهز اللوحية، مُدِحت و ذُمّت وبقيَت.
ما الرابط بين الشطرنج والمصير؟
قام الفنان السويدي ألبيرتوس بيكتور حين رسم جداريته "الموت يلعب الشطرنج" في عام ١٤٨٠ ميلاديّة والتي تقع في كنيسة “تابي” في ستوكهولم السويد بتصوير فارس من العصور الوسطى يلعب ضد الموت فكان أول من استخدم اللعبة اللوحية رمزًا لسلسلة قرارات حياة الأنسان، يجلس الموت في الجهة المقابلة للاعب بالمرصاد ضاحكًا، مُسبّبًا للرائي شعور اضطراب وقلقٍ ممزوج بالمحاولة اليائسة للنجاة؛ فَنيل الموت من اللاعب محتوم تمامًا دائمًا، إنه مصير كل لاعب مهما حرك البيادق وهو الحقيقة المطلقة، والخلود فكرة أغرت البشريّة منذ الأزل؛ فظهرت أساطير مثل ينبوع الشباب و ملحمة جلجامش وغيرها مما كان الخلود فيها مكافأة أو عقاب.
استخدم إنغمار برغمان المخرج السويدي الصورة المجازية للشطرنج المستلهمة من الجدارية في فيلمه "الختم السابع، ١٩٥٧" الذي يحكي قصة فارس من العصور الوسطى يلتقي الموت كما رسمه ألبيرتوس بيكتور
يتأكد الفارس من قدوم حتفه لذا يراهن حياته على لعبة شطرنج تمتد بين جميع مشاهد الفيلم، إن الصراع الحقيقي في الفيلم ليس فقط ضد الموت على الرقعة بل أيضًا ضد الشك والإيمان في زمن انتشار الطاعون، فحين يرى الموت لا يعدل ويأخذ المرأة والطفل والرجل؛ يتذبذب كيانه ما بين الفجائع مما يرى والصلوات التي يرددها الجميع.
" أريد أن أعرف، لا أن أؤمن فقط" يقول، حتى لو كان يخاطر بروحه في هذه اللعبة.
يظهر التمثيل بالشطرنج مرة أخرى في لوحة الفنان الألماني موريتس ريتش "فاوست والشيطان" مستخدمًا نفس العناصر بإختلاف الشخصيات وإضافة الملاك، الطرف الأيسر هو بطل الأسطورة فاوست العالِم الذي وصل أعلى مراحل العِلم في (الكيمياء، الخيمياء، السحر، الفيزياء)
لكنه فقد المعنى من الحياة، واقعًا في فراغ شديد وتشكيك في قيم العلم والوجود بحد ذاته؛ فيظهر له الشيطان "ميفيستوفيليس" عارضًا عليه صفقة، مفادها أن يمنحه الشيطان ما شاء من المُتع والسعادة والقوة وكل مايشتهي في دنياه مقابل روحه عند وفاته
يقبل فاوست بالصفقة بشرط أن لا يقبض ميفيستوفيليس روحه إلا في "لحظة السعادة الكاملة المطلقة" اللحظة التي يتمنى توقف الزمن فيها لشدة سعادته؛ فيوافق على عرضه، تتمثل في لوحة ريتش الشطرنج مرة اخرى استعارةً عن قرارات العالِم في مجريات أحداث الأسطورة إذ يترصد الشيطان لخطئه ويوقعه في المكائد، وبينهما تقف الملاكُ تراقب حزنًا على العالِم مجريات اللعبة.
لسنوات ساد الاعتقاد بأن الرجل خسر اللعبة وأن الشيطان سلب روحه، لكن لقاء إمرءٍ واحد باللوحة غيّر الرواية بأكملها، ورغم اختلاف الروايات المتداولة، إلا أن المنظور لهذه اللوحة توسّع قليلًا
كان بطل الشطرنج الأمريكي "بول مورفي" في زيارة لولاية فرجينيا في منزل إحدى أصدقائه
أثناء العشاء، لفتت انتباه مورفي نسخة من لوحة ريتش معلقة بشكل بارز على الحائط فاقترب منها، وتفحصها باهتمام
ثم التفت إلى مضيفه وقال بتواضع: "أعتقد أنني أستطيع الفوز بلعبة الشاب" "مستحيل!" كانت الإجابة: "حتى أنت يا سيد مورفي لا تستطيع استعادة تلك اللعبة". "لكن. أعتقد أنني أستطيع." قال مورفي.
رُتِب لوحُ شطرنج كما ظهر في اللوحة ولدهشة الجميع، انتُزع النصر من الشيطان وأُنقذ العالِم بحركة واحدة لا سبيل للفوز إلا بها
نُشرت قصة "حركة واحدة إضافية" هذه لأول مرة في الصفحة ٦٠ من صحيفة كولومبيا تشيس كرونيكل بتاريخ ١٨ أغسطس ١٨٨٨. وكان عنوان المقال "حكاية مورفي".
حدوث هذه القصة كان تذكيرًا بوجود الفرصة الأخيرة التي يمكن أن تغير مسار الحياة بأكمله للأفضل وتذكّرنا أن التفكير العميق والهدوء هما السر في النجاه والنيل.
مابين فاوست و بيكتور وبيرغمان ومورفي كانت الشطرنج لغة تتجلّى فيها حياة المرء، جشعه، عقباته، خوفه، شكّه، جُبنُه وشجاعته إنها اللعبة اللوحية التي تحكي بصمت وتقوم فيها الحرب والعراكات والتضحية والنبل،اجتمع حولها المتنافسون والأصدقاء والعائلة، الفقراء والأغنياء، الكبار والصغار والجهلة والعلماء على حدٍ سواء، إن الشطرنج هي الألعاب كما يجب أن تكون.




لكن معي تعقيب بسيط لهذه الجملة " لكَم هي مغرية امكانية مواجهة الموت وجها لوجه ببسالة، إما لأن القلب ما عاد يخشاه وإما لقدوم لحظةٍ طال انتظارها" السبب
بعد "لأن" ألا يجب أن يكون جوابًا لِما هذه الإمكانية مغرية؟ لأني أرى السبب الذي ذُكر هو نتيجة لمواجهة الموت ببسالة وليس
جوابا لما هذه الامكانية مغرية.
وأيضا أظن أنك تقصدين في وصف لوحة لاعبيّ الشطرنج بأن بطل الأسطورة في الطرف الأيمن وليس الأيسر، إلا إذا أنا اختلطت عليّ الشخصيات.
غير ذلك أسلوبك ساحر، أعشق كتاباتك.
:)أظن أنه لازم نلعب شطرنج مع بعض