الشتاء الأول دون الرغبة في الحب
هاجت سحب نوفمبر وهطلت مغرقة الشوارع والارصفة، الهطول الأول لهذا الفصل قد حل ولكن ما رافق البرق والرعد وشابههما صخبًا يعصف معالم شخصي ويبعثرها لم يحل هذه المرة.
أكتب تحت النافذة في كنف ضوء الأبجورة الأصفر والقمر المتسلل من الستائر، تتوافد المقطوعات عشوائيًا على مسامعي من الهاتف المتروك على الطاولة، في هذه اللحظات آخر اليوم حين تصمت الأجهزة ويذهب الناس— أفكّر في أحوالي وما أنا عليه، فيما رحل وما سيأتي، تتغيّر المقطوعات تلقائيًا ومعها تتقلّب الأفكار وأتذكر مشغل الأسطوانات نادمة على تأجيلي إقتناءه والتمتّع به،
إني أرنو الى كل قديم عتيق وكلاسيكي، شيء يثير حنينًا لحياةٍ لم أعشها ودفئٍ لم أشعره بشخصي قط بل مُرِر إلي من خلال كتاب أحدهم أو من شيءٍ غير حي، الشخصية هي ما تجذبني في مشغل الأسطوانات، التفاصيل التجميلية الغير عمليّة على حوافهِ وعليه كُلّه، الفِعل الروتيني في مسح الغبار وتركيب القرص بحرص، وموازنة الإبرة لتخرج موسيقى ذابت فيه روحٍ لا تعلم وجودي أو لم تعد تتواجد، الاختصار في عملياتٍ فنّية كتحضير القهوة والقراءة والموسيقى والمشي تقليلٌ من مكانتها وتقليل من جماليتها، والتبسيط لم يجذب إمرءًا فنيًا أبدًا.
تغنّي صراصير الليل في النخيل البعيد تنادي بعضها وأتساءل من مناداتها عن مناداتي، يبرد الشتاء وأتساءل عمّا حدث لي حتى اعتدته، كنت كلما طلعت علي شمسه وغربت تقت وفتقني التوق لِما اندلعت لأجله معارك وحروب بين قلبي وعقلي، أما هذه المرة فلا أجد من حروبي سوى أرضًا مكفهرة فيها البقايا والركام تذكارًا وعِظه، كالجيوش إذا ما غادرت وشدت الركاب عودة للوطن عاد عقلي وقلبي لمكانيهما بعد سنين من حرب غير مجدية لا غنيمة فيها ولا مكسب ولكنها عادت بعد الحرب تُزهِر وتُنبِت، ببطئ وسلام ورتابةٍ مريحة
شككت به هدوءً قبل العاصفة لكن شكّي لا يبدو حقيقيًا البتة أشعر أني في حالة من الاستقرار المهيب وكأن قدماي كانت في رمال الصحراء المتحركة التي كانت تسحبني رويدًا رويدًا لباطن الأرض حين قاومتها وتركتني أنجو حينما تخليت عن النجاة
أُلهي نفسي وأشاغلها، أسلي الشعور المبتز بقدوم معركة أخرى، إن ما يحدث هو إما إلهاء منّي أو أن الحياة قررت إمساك حبال فكري والتلاعب بها، لا وقت للقراءة للكتابة للتفكير بشيء سوى ضروروياتها وطلباتها المشتعلة في طيات أيامي كالنار في الهشيم وعلَّ هذا من حسن حظي فأنا أميل لإشعال هذه النار وإحراق نفسي بنفسي إذا لم تشعل الفتيل مشاغل حياتي.
لا أكتب ما أكتب حنقًا ولا كرهًا ونفورًا ولكن تسليمًا واعتيادًا؛ فلقد اعتدت، لم أعد أبحث عن الدفئ في حلٍ لن يأتي وتأقلمت بما لدي بل لم يعد يغريني النجمُ البعيد، إنما أكتب عزاءً على ما كان قلبي عليه وعلى الترقّب الذي عشعش في صدري حتى صادقته وظننته منّي والآن رحل الصديقُ العزيز بلا عودة تُنتظر.


ايش هذا الجمال يا ريم
كتابة وتعابير جميلة