ملاحظة الشبه في مختلف المخلوقات والأشياء ليس غريبًا أو مستحدثًا بل هو نتيجة تأمل الأنسان لمحيطه ومحاولة فهمه، فقد ظهر التشبيه أسلوبًا لغويًا في كل اللغات والأشعار فمثلًا يقول امرؤ القيس في أبياته:
وَفَرعٍ يُغشَّي المَتنَ أَسوَدَ فاحم
أَثيثِ كَقِنوِ النَخلَةِ المُتَعَثكِلِ
فيشبّه لون شَعرِها بلون الفحم لشدّة سواده وشكله وتجعّده بقنو النخل الذي ينبت عليه التمر فتكتمل الصورة التشبيهيّة
ويقول مزرد بن ضرار (أخو الشماخ) في وصفهِ سيفه: [١]
ومُطردٌ لدنُ الكُعُوبِ كأَنما
تَغشَّاهُ مُنْبَاعٌ مِن الزَّيتِ سائِلُ
أَصَمٌ إِذا ما هُزَّ مَارَتْ سَرَاتُهُ
كما مَارَ ثُعْبَانُ الرِّمالِ المَوَائِلُ
لهُ فارِطٌ ماضِي الغِرَارِ كأَنَّهُ
هِلاَلٌ بَدَا في ظُلْمةِ اللّيلِ ناحِلُ
وصَف اضطراب الرمح واطراده حتى صار يشبه اطراد الماء في جريه وسيلانه أي أنه ليّن وسائل الحركة كما لو أن الزيت غطّاه، ثم يقول أصمّ حتى لا يُظَّن أنه ليّن بسبب تجويفه بل هو مكتنز الجوف، ويتبع تشبيهاته تشبيه السراه بالأفعى إذ أن السراه هي أعلى السيف الذي يهتز كالأفعى في الرمال، وثم فهو يشبّه هيئة سيفه ولمعانه بالهلال في ظلمة الليل، واضحٌ لامعٌ نحيل.
والأمثلة لا تحصى في القرآن الكريم والشِعر بشتّى أنواعه ولغاتِه.
وقد أثار الشبه بين الأشياء كالشبهِ بين موج البحر والسماء أو الفواكة وأجهزة جسم الانسان أو المجرّات فضولي منذ أمد، وتساءلت كثيرًا عن المُشترَكَات التي جعلت إحداهما يكاد يطابق الآخر أو حتى يطابق ذاته شكلًا في تكرارات أنماطه مثل الصدف البحري والأعاصير، وحين تأملت استنتجت التالي
أن الكون نظام مغلق بمجمله، أي أن الخروج والدخول اليه والشيء الغريب الغير مألوف لعقل الإنسان شيء مستحيل الحدوث "كرؤية البُعدِ الرابع مثلًا" لذا تتكر موجودات عالمنا في الأشكال، ولربما نطاق فِهم عقل الإنسان لا يحتمل سوى عددًا معينًا من الوقائع فلا يرى سوى ما اعتاد عليه، مازالت هذه كلها بالطبع تأملات لكنها شيء يستحق التفكير، والطبيعة لغز صامت ينتظر الحل
وقفت يومًا تحت شجرة أحدق في تفرعاتها والتقطت ورقةً سقطت أتأمل تعرّقها من عرقها النصفي الثخين الى أدقهنّ في الاطراف، بدت لي منظمة بغايةٍ وهدف، وبحكم دراستي السابقة بدأت أراجع الأسباب والنتائج
فمثلًا إختلاف ورق شجرة المانجو التي أنا تحتها يختلف عن العشب في الأرض؛ لأن الفلقات في البذور تختلف، ولكن ما الذي يجعلها تختلف؟
في علم الاحياء لطالما كانت القوة التي تدفع المخلوقات والخلايا للتصرف مجهولة، هي شيءٌ كالجاذبية الأرضية شيء يُشعَرُ به ولا تُرى
وقد حاول هانس دريش عالم الأحياء الألماني تسمية هذه القوة المجهولة من قبل فسماها "قوة الاستنجاز" وهي قوة الحياة التي تصور أنها قوة دفع فطرية أو «شبيهة بالعقل» أي قوة غير مكانية ومكثفة ونوعية وليست مكانية وواسعة وكمية، ولكن سرعان ما رفض الفلاسفة مفهومة لأسباب عدّة منها عدم قدرتهم على اشتقاقها كقانون رياضي مثل مافعلوا بالجاذبية.
ومن الرياضيات سأنطلق، فحين تشابهت في ناظري تعرقات الأوراق بعروق جسم الإنسان وحينما تنظّمت بذور دوّار الشمس تنظيمًا لا يحتمل الخطأ كان ذلك بسبب مبدأ علمّي ذا قانون رياضي أطلق عليه "النسبة الذهبية"
ما هي النسبة الذهبية؟
تم ذكر النسبة الذهبية لأول مرة حوالي ٣٠” قبل الميلاد في كتاب "الأصول” لـ إقليدس ومع ذلك، في عام ١٥٠٩ ميلادي، نشر رياضياتي إيطالي يدعى "لوكا باتشولي" كتابًا بعنوان "دي ديفينا بروبورتيوني"، الذي رُسِم بواسطة ليوناردو دا فينشي نفسه والذي صنف النسبة كتمثيل إلهي للبساطة والتنظيم يمكن حسابها عن طريق تقسيم خط إلى جزئين نقسم الجزء الأطول على الجزء الأصغر ومجموع الجانبين على الجانب الأطول يجب أن يكون كلاهما مساوياً لـ 1.618
"فاي φ" أو "النسبة الذهبية
ووجدت أيضًا ما يدعى بـ "متتالية فيبوناتشي" سلسلة فيبوناتشي مرتبطة ارتباطًا وثيق بالنسبة الذهبية فَمع زيادة الأعداد في السلسلة، يتقارب نسبة أعداد فيبوناتشي المتعاقبة . هذا يعني أنه رياضيًا، عندما تقسم كل عدد في السلسلة على العدد الذي قبله (مثل 89/55)، يقترب الناتج من 1.6180339887...، وهو النسبة الذهبية (φ)
لقد تم اكتشاف الخواص المثيرة لهذه السلسلة الرقمية من قبل الرياضياتي الشهير (ليوناردو فيبوناتشي)المولود عام ١١٧٥ م في ايطاليا
هذه العلاقة تبرز العلاقة الرياضية العميقة بين السلسلة والنسبة، مما يقترح لماذا كلاهما منتشر بشكل كبير في الأشكال الطبيعية وأنماط النمو فتكون مرضيةً من الناحية الجمالية
المثير للإعجاب أن الشبه الذي ضربنا به مثالنا قد أُثبت علميًا، اقترح العديد من باحثي الطب أن هيكل نظام تفرع الشرايين التاجية يظهر تشابهًا كاملًا مع نمط تفرع أوراق الأشجار. علاوة على ذلك، من خلال دراسة 36 نوعًا من الثدييات، تم استنتاج أن نسبة أقطار القلب إلى مجموع أقطار جميع الشرايين التاجيّة الرئيسية الثلاث عشرة بدت متوازية مع النسبة الذهبية فاي، بل وأنهم حثوا على زيادة البحث لإمكانية الربط بينها وبين علاج الأمراض. [٢]
قام بعض الباحثين في كتاب "إكتشافات في البيولوجيا الكيميائية" بالشرح في فصل عن تطبيق النسبة الذهبية في البنية الذريّة يوضح أنها تظهر بالفعل فيها؛ إذ يتجزأ نصف قطر بور للذرة إلى قسمين ذهبيين يرتبطان بالإلكترون والبروتون، كما أن العلاقة بين أنصاف الأقطار الأيونية والكاتيونية تتبع هذه النسبة الذهبية، ويكون مجموعها مساويًا لطول الرابطة التساهمية بين الذرتين.
وقد استُخدمت هذه الفكرة لتفسير أطوال الروابط في الأملاح والتراكيب الأيونية والتساهمية، إضافةً إلى ارتباط الأيونات بجزيئات الماء حيث تتحدد المسافات والروابط (مع الأكسجين والهيدروجين) وفق قيم مرتبطة مباشرة بالنسبة الذهبية، مما يبرز دورها العميق في بنية المادة والتفاعلات الكيميائية. [٣]
وتدخل فاي كذلك في الهندسة في بضع أشكال تالية:
المستطيل الذهبي:
مستطيل حيث تكون نسبة طوله إلى عرضه هي النسبة الذهبية. إذا تمت إضافة مربع إلى الجانب الطويل من المستطيل الذهبي، فإن المستطيل الناتج هو أيضا مستطيل ذهبي.
الدوامة الذهبية:
يتكون دوامة من رسم المربعات على التوالي داخل مستطيل ذهبي، ثم رسم دوائر ربع تربط زوايا المربعات. يوجد هذا الحلزون في العديد من الأشكال الطبيعية مثل الأصداف البحرية والمجرات.
النسبة الذهبية في الأشكال:
بعض الأشكال الهندسية، مثل الإثني عشر، لها نسب ذهبية متأصلة ضمن أبعادها والعلاقات المكانية لخطوطها.
النسبة الذهبية في العمارة
تم استكشاف الإنشاءات الهندسية، مثل العثور على نقطة على خط يقسمها في النسبة الذهبية، من قبل علماء الرياضيات لعدة قرون.
خلاصةً تحكم النسبة الذهبية طريقة تناسق الأزهار وكذلك توزيع الأوراق، الإنسان غير مستثنى من القانون الكوني، مع النسبة الذهبية كل مظهر من بنية الإنسان الفيزيولوجية تخضع لهذه النسبة حتى عصيات العين ومخاريطها تتوافق مع مبدأ النسبة الذهبية، وكذلك قوقعة الأذن (نسبة أطوال الدهاليز الأذنية)، وضربات القلب تخفق بهذه النسبة، ويدفع الدم الى الأبهر، تاركاً نسبة معينة في البطين. كل هذا يتوافق مع مبدأ النسبة الذهبية. وحتى نشاطات البنية العصبية في حالات عقلية معينة تخضع للقانون ذاته. جمال المظهر لكل من تقاسيم الوجه يخضع للنسبة الذهبية. وفي عالم الحيوان لا تنتهي الأمثلة الواضحة لتناسق الأجزاء والألوان في الكائنات جميعها وفق مبدأ النسبة الذهبية— سبحان الله العظيم.
أجاب العلماء عن القلّة القليلة من الأسئلة حتى الآن ولعل الإجابات التي وجَدتُ أجابت كثيرًا ولكنّها أثارت تساؤلاتٍ أكثر، هل هنالك ما يدفع الكائنات لإظهار التنظيم العالي هذا؟ هل هنالك قوةٌ بيولوجية أو كيميائية مسؤولة عن النسبة الذهبية؟ هل سيختلّ النظام الكوني إذ ما تغيّرت في المجرات والطبيعة؟ مازلنا نجهل.
—
هوامش
[١] كتاب تشبيهات الرمح في (المفضليات) د.علي عبد الموجود نور الدين.
[٢] النسبة الذهبية والقلب مراجعة للجماليات الإلهية.
[٣] الابتكارات في البيولوجيا الكيميائية.
قراءات أخرى
رااااااااائعة جدًا موضوع غير متكرر