جهل الإنسان لذاته ونظرتُه لها
يثير تكرار النقاش غالبًا الملل فيَّ، خاصةً تلك التي تتناول مواضيع التعامل مع الآخرين إما لتكرارها في كل المنصات وإما لأني أرى أن تفسير وتحليل التفاعلات بين البشر بشكلٍ مفرط طاقةٌ مهدرة كان الأجدر بها أن تُصبَّ في الأهم، على الناس البدء في التقليل من تركيزهم على الخارج والبدء في التركيز على دواخلهم وشخوصهم، وأهم ما يجب الإلتفات له هو معرفة الانسان نفسه حق المعرفة.
المرء لا تشقيه إلاّ نفسه
حاشى الحياة بأنّها تشقيه
ما أجهل الإنسان يضني بعضه
بعضا و يشكو كلّ ما يضنيه
و يظنّ أن عدوّه في غيره
و عدوّه يمسي و يضحي فيه
عبدالله البردوني
كم هو محزن أن يصل المرء منتصف عمره ولا يزال يجهل ذاته، أن يتخبط في هذه الدنيا معتنقًا أي فكرةٍ تقدم له مبهرجة ولامعة تزيد غرورة أو عُمقهُ الوهمي، أن يتخذ من التناقضات شخصية لا يطيق الجلوس معها في ساعة صمت؛ فيتلوّى في الوحدةِ يجهلُ كيف يروضّها أو يروض نفسه لتسكن إليها، كيف وهو الذي لا يقدر على تحديد أين يبدأ وأين ينتهي؟ ماهي حدوده ومبادؤه وما مواطن قوتهِ وضعفه؟ أن لا يستطيع الإقرار بأخطائه وهفواته وإنجازاته وجهوده؟
إن جذور كل عناء هي الجهل، وفي كثير من أمور الحياة نُصادف هؤلاء وهم كثر، بطرازات متنوعة فمنهم من يرى أنه معصومٌ عن الخطأ، منهم من يتخذ مبدأ "خالف تعرف" ، من يعلو صوته في النقاشات بغير وجه حق، من يبكي في حيرةٍ ضائقًا دون الرفقةٍ أو حانقًا يسأل لماذا الكل أشرار، ولربما هي حقيقة ربما كل من في حياته أشرار ولكن مربط الفرس هو سبب إهتمامه بهذا القدر ما دام متيقنًا في قرارة نفسه أن ما حوله لا يمثلّه
كنت يومًا أحادث صديقة ضاقت نفسها بسبب تواقح أحداهن معها وظلت تشتكي من إحتقارها لها، وبعد تفريغ مكنونات قلبها استشارتني عما عساني فاعله إن كنت في محلها فأجبتها أن المرأة هذه أيًا كانت ليست سوى غريبةً عني وأن تواقحها معي لن يهمني؛ لأني أعلم في قرارة نفسي من أنا وماذا فعلت.
من هنا تنبع القدرة في الصمت عن الرد عند الاساءة، والحلم في كل وقت؛ فالواثق من موقفه - خاطئًا كان أم محقًا- لن يعجزه الصمت في شيء ولن تهمه نظرة الجموع إذا ما بدّى ذاته عليهم، وهذا الإستقرار هو ما يجب ان يتصف به كل بالغٍ راشد وهذا هو أساس الصفات الحميدة التي يرغب الكل في امتلاكها
إن التركيز على العلاقات ومحاولة تحسينها دون الإلتفات للنفس غير مجدٍ البته، كتقليم شجرة أملًا في إزهارها دون سقايةِ جذورها.
تتطلب معرفة الذات سنوات، تجاربَ وتكرارًا وخطأ، والمهارة الأهم فيها هي إيجاد الراحة عند الإنفراد بالنفس لا الخوف منها ومن أفكارها، والنفسُ عنيد، فيجب ترويضها بجلدها ساعةً والعطف عليها ساعةْ، يجب تربيتها كما يُربّى الطفل حتى يعقل ويبلغ الرشد، والأسى هو أن كثيرًا من البالغين من الأباء والأمهات، العاملين والعاملات، المُشكّلين لأساسات المجتمع مازالت انفسهم صغيرة غير مستقرّة فتجدهم كثيري التناقض والضرر على أنفسهم وعلى من سواهم؛ لهذا خصيصًا تجب التوعية؛ للضرر الذي يمسُّ الآخرين أولًا والذي يمسُّ الشخص بذاته ثانيًا.


مقال فائق لعدة أفكار مغفول عنها حقًّا، يُختبر فيها الناس لقلة أو لانعدام خوضهم فيها، كل ما طُرح أحسنتِ وصفه
لقد كتبت مقال في حسابي أيضا اتمني ان يعجبك 💘