الإعتيادية على 'الطبيعي'
الليل مطبقٌ على الصحراء والبدر قرصٌ ناصعٌ تضرب عليه الصفرة، أعمدة إنارة الطريق تضيء وتختفي واحدةً تلو الأخرى منكسرةً من زجاج نافذة السيارة على حقيبتي و أطرافي فأرى خطوط يدي الثلاثة بوضوح لثوانٍ قبل أن يبتلعها ذات الليل الذي لم يبقي على شيء في الفضاء،
وتتكرر قفزات الضوء طوال خط السفر، الخط الذي أسلكه في العشرين وسلكته في الثامنة عشر والعاشرة والرابعة، من المدينة الى الضاحية.
أغلق عيناي، أغلِب العتمة في الخارج بعتمةٍ من إختياري وتندلق التلاوة الخافتة على مسامعي من الراديو وأفكّر بكل الاعتيادية في الحياة— في الأمور التي صارت مُسلَّماتٍ لا يُلتفَتُ لها
وكيف يكون الصخر المضيء في السماء اعتياديًا، والرمل والجبال والسماء السرمدية، الحقيقة هي أن لا شيء اعتيادي في المعتاد، في البحر في الأصدقاء وفي صوتي حين يصدح في ذهني في جدالٍ مع صوتٍ آخر بوضوحٍ لا يشق طريقهُ خارج جمجمتي.
أعتب على نفسي في تقليلي من حُب المعتاد ونسياني إياه في كثير من الأحوال التي تغلب عليّ فيها بشريّتي فأغضب وأسخط وأحزن لأسبابٍ ضئيلة، وأعتب على دوافعي الكتابية التي تكاد لا تخلو من الحزن والإستياء، فمنذ مدةٍ لاحظت ميلي للكلمةِ حين ابتئاسي و حنقي حصرًا، وأبدًا في فرحي والسرور؛ و علَّ هذا يعود لخوفي من الإثقال بهمّي على صدرٍ شاركته الخفّة يومًا، ومحاولتي قولبت وتنصيع مشاعري الخام علّها تصير أقل إحراجًا— أقل واقعية.
الآن وفي هذا أقدّم الخام علّه يكون أصدق وأقرب وعلّه يكون السبب في تقليل عاري من إنسانيتي؛ فها أنا أكتب عن السعادة في الساعات التي أقضيها أتأمل المنظر المتكرر من النافذة على يساري وأنا على المقعد الذي اخترته لي حصرًا في كل السيارات، وعن الشمس الغريبة بطبيعتها حين تتسلل بعد الخامسةِ عصرًا من ستائر غرفتي إلى كومة الملابس البيضاء على الكرسي فتعكس ضوءً أكاد منه أشك في أنها تتوهج بذاتها لونًا برتقاليًا، عن العطر في شَعري وحُب الحياة في شِعري، أريد أن أكتب لأنهي قوقعتي وأخرج للعراء بتأملاتي عن حقيقة الوجود وعن المرأة التي صرتها بعد كل عملٍ فنّيٍ شهدته وكل موقفٍ يوميّ ألتفتت لغرابته.
ورغم نظرتي وتوهجي إلا أن محاولة إطفاء لهيبي مهمة لم يتقاعس عنها أحد؛ فمن يفهم آلية العالم وسيره ورغم ذلك يختار تخفيف حدة "طبيعيته" بإخراجه من خانة الطبيعي، لابد له من أن يتحمل رماح الانتقاد بروحٍ من فولاذ "السذاجة، الجهل، اللامسؤولية" وغيرها من الأحكام المطلقة بناءً على معرفة محدودة بالغير.
في النهاية أظن نضالي الحقيقي هو الحفاظ على حقيقتي وحقيقيتي، فلا أترك ذاتي عاريةً يرجمها من شاء ويؤذيها من يريد، ولا أغلّفها حماية لها وأسبِّب في ضياع هويتي والـ "أنا" التي أحب وِسع ما يَسعُ قلبي، وما زلت أحاول جِد المحاولة في الوصول للإتزان الذي يسمح بهذا، لكن الحقيقة أن الفصول تتقلب صيفًا وشتاءً، وذاتي تتأذى لكثرة حقيقيتها حينًا، وتفتُر ألوانها لفرط حمايتي لها حينًا آخر، فعلَّ الاتزان يأتي في وقتٍ قريب— علَّه يأتي يومًا ما.
(سأعيش رغم الداء والأعداء) أبو القاسم الشابي.
فأهدِم فؤادي ما استطعتَ فانَّهُ
سيكون مثلَ الصَّخرة الصَّمَّاءِ
لا يعرفُ الشَّكوى الذليلَة والبكا
وضراعَة الأَطفالِ والضّعفاءِ
ويعيشُ جبَّاراً يحدِّق دائماً
بالفجر بالفجرِ الجميلِ النَّائي
املأْ طريقي بالمخاوفِ والدُّجى
وزوابعِ الأَشواكِ والحصباءِ
وانْشر عليه الرُّعب واثر فوقه
رُجُمَ الرَّدى وصواعقَ البأساءِ
سَأَظلُّ أمشي رغمَ ذلك عازفاً
قيثارتي مترنِّماً بغنائي
أَمشي بروحٍ حالمٍ متَوَهِّجٍ
في ظُلمةِ الآلامِ والأَدواءِ
النُّور في قلبي وبينَ جوانحي
فَعَلامَ أخشى السَّيرَ في الظلماءِ
إنِّي أنا النَّايُ الَّذي لا تنتهي
أنغامُهُ ما دام في الأَحياءِ
وأنا الخِضَمُّ الرحْبُ ليس تزيدُهُ
إلاَّ حياةً سَطْوةُ الأَنواءِ


لعل مما كُتِب من الشعور ونُسِج امتثل بالآتي
<في النهاية أظن نضالي الحقيقي هو الحفاظ على حقيقتي وحقيقيتي، فلا أترك ذاتي عاريةً يرجمها من شاء ويؤذيها من يريد، ولا أغلّفها حماية لها وأسبِّب في ضياع هويتي والـ "أنا" التي أحب وِسع ما يَسعُ قلبي>